|
أداؤه.. يُعلّم الغزل أيضاً |
|
ومضات
رؤية منتخب اسبانيا متعة للعين فعلاً.. يلعب الكرة التي يحبها كل عاشق للكرة الجميلة، ولو كانت هناك مسابقة إسمها "كأس العالم للفرجة" لما أفلتت منه. أداؤه بسيط جداً، وانسيابي من دون معاناة، تماماً كالمطرب المتمكن الذي يتلاعب بحبال صوته من دون تنتفخ أوداجه (والاوداج عرقان كبيران يحيطان بالرقبة)، ولكن إذا ما أردت تقليده سقطت في المستحيل.. تجسيد للسهل الممتنع فعلاً.
وبعد، فما هي هذه النقلة النوعية التي عرفها الاحمر "ال روخو" في مدى زمن قصير؟ حتى الماضي القريب، كانت الوقائع تشير الى الاندية الاسبانية في واد ومنتخبها في واد آخر.. فاز المنتخب مرة بكأس أوروبا عندما كانت المسابقة تحبو ( 1964) ثم خبا، وحتى عندما استعان ببوشكاش ودي ستيفانو وكوبالا وسانتا ماريا لم يفعل شيئاُ في كأس العالم.. في الكأس العالمية الاخيرة قبل 4 سنوات فقط خسر أمام فرنسا 1-3 لأنه كان عادياً، ثم تغير كل شىء.. صيف 2008 انتزع بطولة اوروبا، ومساء الاربعاء الماضي هزم فرنسا 2-صفر ودياً في عقر دارها.. ليست مهمة الاشارة الى المنتخب الفرنسي في المونديال الالماني بقيادة زيدان كان من ذهب ولا يمت بصلة الى منتخب التنك (الصفيح) الذي يقوده تييري هنري، فما هو مهم أن "ال روخو" صاحب الهدفين في "سان دوني" ضم 7 لاعبين أساسيين شاركوا في مباراة 2006 الخاسرة: كاسياس وبويول وسرجيو راموس وشابي ألونسو وفابريغاس ودافيد فيّا وفرناندو توريس، وصاروا 8 بعدما شارك شافي مكان فابريغاس في الشوط الثاني.
وكأننا نشاهد برشلونة.. ذكاء وموهبة ومقدرة على بناء الهجمة تلو الاخرى ومضاعفة التمريرات.. لمسة او لمستان للكرة بحد أقصى، تحرك مستمر وسريع من دون كرة بحيث يجد اللاعب المستحوذ عليها زميلاً واحداً على الاقل في مساحة شاغرة بين خطوط الخصم فيمررها له زاحفة بسلاسة ويسر وبلا تعقيد، أي يكون أمامه أكثر من حل للتمرير سواء تواجد في المحور أو في أحد الممرين.. ومثل هذا الامر يتطلب مهارات فردية عالية ولا سيما في المساحات الضيقة.. قام الاسبان ب 10 تمريرات وما فوق مرات كثيرة، وليس غريباً طبعاً ان تبقى الكرة في أقدامهم 60% من زمن اللقاء مقابل 40% فقط للفرنسيين الذين كانوا يجرون على غير هدى وكأنهم يخوضون حرب استنزاف.. والاستحواذ على الكرة هو وقود السيارة الاسبانية.
ولا يوجد فريق في العالم لا يفقد الكرة طبعاً، ولكن هناك فارقاً بين أن يفقدها مجاناً وأن يفقدها رغم انفه.. وكم هو لافت ومبهر أن توزيع لاعبي اسبانياً هجومياً ينقلب توزيعاً دفاعياً في ظرف غمضة عين في تطبيق مثالي لقاعدة الضغط (بريسينج)، ولذا لم يقم الفرنسيون ب 5 تمريرات ولو لمرة واحدة في 90 دقيقة.. إجمالي عدد التمريرات: 525 للاسبان و338 للفرنسيين!!
واللافت أكثر أن المدرب دل بوسكي أجرى 6 تبديلات في بداية الشوط الثاني وخلاله فلم يشعر أحد بتغيير في الاسلوب والشخصية.. المبادرة مبادرته والايقاع ايقاعه.. يلعب في أبعد نقطة عن مرماه وأقرب نقطة ممكنة من مرمى الخصم، والتمريرات معظمها طولية أمامية مع احترام المسافات بين خطوطه والتقيد بها للاحتفاظ بالقدرة على تمرير الكرات القصيرة والارضية وعلى الدفاع بفاعلية.. كما لم يشعر أحد بأن الاداء فقد شيئاً من حلاوته بعدما رحل المدرب اراغونيس إثر الفوز ببطولة اوروبا وحلول دل بوسكي محله.. وحتى عندما كان دل بوسكي يدرب ريال مدريد ويدير النجوم الكبار زيدان ورونالدو وفيغو وبكهام وروبرتو كارلوس وراوول فإن عروض الفريق الملكي لم تكن راقية بالقدر الذي هي عليه عروض المنتخب.
وبفضل الحلاوة صار للمنتخب الاسباني عشاقه في الداخل بعدما كانوا مبعثرين بين عشاق لبرشلونة وآخرين لريال مدريد.. 8،2 ملايين اسباني تابعوا المباراة عندما بدأت، وبفضل الحلاوة التي اقترنت بهدفين ارتفع العدد في أواخر اللقاء الى 10 ملايين مشاهد.. وفي المقابل بدأت المباراة مع 6،9 ملايين فرنسي وانتهت مع 6،2 ملايين.
هناك إجماع على أن ما يحصل هو ثمرة لثقافة برشلونة.. انسحبت وتعممت على الجميع فصارت ثقافة مجتمع.. ثقافة الفوز المقرون بالكرة الجميلة.. الزمن يتغير، والقناعات كذلك، بما فيها قناعات البرازيليين. لم تعد صرخات النجم السابق والناقد الحالي توستاو الذي يطالب بكرة هجومية حلوة تجدي نفعاً لأن المدرب دونغا يفضل الكرة الواقعية أي يفضل أن تلعب تشكيلته بطريقة دفاعية 90 دقيقة طالما أنها قادرة على الفوز من خلال المرتدات.
الجفن لا يعلم وحده الغزل.. فهناك أداء منتخب اسبانيا أيضاً!
محمد حمادة
|
|
|
|
|
|